​​​​​​​​الوقف صيغة​ إسلامية أصيلة تبرز التفاعل بين قيم العقيدة وقيم التنمية في الإسلام ، وهي القيم التي تتميز بها روح المجتمع الإسلامي عن غيره من المجتمعات ، والتي من خلالها تتحدد مساهمة الوقف في المحافظة على هوية المجتمع وتلبية احتياجاته التنموية .


ورغم صعوبة الحياة وقسوة العيش في الكويت قديما فإن أهلها كانوا سباقين إلى فعل الخيرات ليجعلوا لهم صدقة جارية يبتغون منها رضوان الله عز وجل ، وينفعون بها أبناءهم وأبناء وطنهم من بعدهم .

وقد مرت مسيرة التنمية الوقفية في دولة الكويت بعدة مراحل ، وهي  :

المرحلة الأولى : مرحلة الإدارة الأهلية ( ما قبل عام 1921 م ) :


نشأ الوقف مع نشأة دولة الكويت منذ القدم ، حيث كان الأهالي يبنون المساجد ويوقفون عليها، ويستدل على ذلك مما يذكره المؤرخون أن أول وقف موثق في الكويت (وهو مسجد بن بحر) الذي يرجع تاريخ إنشائه إلى حوالي عام 1108 هـ ( 1695 م ) ، وتوالى إنشاء الأوقاف منذ ذلك الحين على مر السنين عبر تاريخ الكويت .

وقد تميزت هذه المرحلة بالإدارة المباشرة للأوقاف من قبل الواقفين أو ممن ينصبونهم نظارا من خلال حجج توثق عند أحد القضاة المعروفين ، وكان المرحوم الشيخ محمد بن عبدالله العدساني أهم القضاة الموثقين لحجج الأوقاف في هذه الحقبة من التاريخ الكويتي ، وقد امتدت ولايته لأكثر من ستين عاماُ .

وكانت أغراض الوقف تتم عن طريق تلمس الواقف لاحتياجات المجتمع أو البيئة المحيطة به ، فكانت الأوقاف متنوعة منها : بيوت ودكاكين ، وآبار مياه ، ونخيل وحظور بحرية ( مصايد أسماك ) ، حيث يصرف ريعها حسب الأغراض التي يحددها الواقفون ، ومن أمثلة هذه الأغراض : رعاية المساجد ، والأضاحي ، والعشيات ، وتسبيل المياه ، وحفظ القرآن الكريم ، والصدقات وعموم الخيرات ، والكتب ، والنوافل ، وإعانة ذوي القربى والفقراء ، وغير ذلك من الأغراض .

وبالنظر إلى ما كانت عليه وجوه الوقف في الكويت قديما من أعمال خيرية وإنسانية نجد أنها قد عبرت أصدق تعبير عن التكافل الاجتماعي النبيل في المجتمع الكويتي ، ولكن هذا العمل النبيل لم يلق التوجيه والإشراف والإرشاد الكافين لتحديد مسار العمل الوقفي ودفعه إلى الانتشار في قاعدة أوسع من الأغراض الاجتماعية .

المرحلة الثانية : مرحلة الإدارة الحكومية الأولى ( 1921 – 1948 م ) :


ظل جهاز الدولة بسيطا حتى بداية القرن العشرين ، حيث كان جل النشاط أهليا ، وكانت الإدارة الحكومية مهتمة بالدفاع والأمن والجمارك وتنظيم التجارة والنشاط البحري ، ولكن دخول القرن العشرين – بكل ما جاء به من تغيرات عالمية وإقليمية ، وصراعات وحروب عالمية ، وتغير في المصالح الدولية في مختلف الأقاليم – حفز الكويت حكومة وشعبا على السير في طريق العصرنة ، فازداد اهتمام الحكام والمحكومين بتطوير كافة نواحي الحياة خصوصا في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية . وكانت هذه هي بداية تطور الجهاز الحكومي واتساع نطاق اهتماماته لتغطي دائرة أوسع من النشاط المجتمعي ، بما في ذلك قطاع الوقف ، فكان من بين الإدارات التي تم إنشاؤها في هذه المرحلة دائرة الأوقاف التي أنشئت عام 1921 م ، حيث أخذت على عاتقها وضع ضوابط وأنظمة تكفل تطوير وتنمية الوقف من كافة جوانبه بقدر الإمكانات المتاحة لها في تلك الفترة .

 المرحلة الثالثة : مرحلة الإدارة الحكومية الثانية ( 1949 – 1961 م ) :


لم تكتف الحكومة بالخطوة الأولى التي اتخذتها لوضع بداية للكيان المؤسسي المركزي للقطاع الوقفي في الكويت – المتمثل في دائرة الأوقاف – بل سعت إلى توسيع نطاق إشرافها عليه ، ومن أجل تحقيق هذه الغاية تم في أواخر عام 1948 م توسيع نطاق صلاحيات دائرة الأوقاف بحيث تتمكن بفاعلية أكبر من توظيف الوقف لخدمة دور العبادة وذوي الحاجة ، كما عززت - في نفس الوقت - المشاركة الأهلية في الإشراف على شئون الوقف من خلال إنشاء مجلس الأوقاف الذي تكون من مجموعة من الأهالي يرأسه رئيس الدائرة المغفور له الشيخ عبد الله الجابر الصباح ، وقد تم تشكيل المجلس الأول في يناير سنة 1949 م وأعيد تشكيله في 1951 ثم للمرة الثالثة في 1956 م كما شكل للمرة الرابعة سنة 1957 م .

وكان طبيعيا أن الدائرة تعمل لوضع هيكل إداري يتناسب ومسئولياتها واختصاصاتها ، وكانت بداية هذا التنظيم بقرار صدر بتعيين الأستاذ / عبد الله عبد الرحمن العسعوسي ( رحمه الله ) مديرا للدائرة التي اتخذت لها مقرا ضمن مبنى المحاكم القديم بالقرب من ساحة الصفاة .

وقد بدأت الدائرة تمد إشرافها شيئا فشيئا إلى المساجد التي كانت موجودة في ذلك الوقت بيد الأئمة والمؤذنين إشرافا وإدارة ، وكانت البداية صعبة حيث عارض البعض تلك الخطوة من الدائرة واعتبروها سلبا لدورهم وانتقاصا لجهودهم ، ولكن الدائرة فتحت باب الحوار مع المسئولين عن هذه المساجد لإقناعهم بتسليمها إلى الدائرة باعتبارها الجهة الرسمية المنوط بها إدارة شئون المساجد ، وتدريجيا تسلمت الدائرة جميع المساجد وكذلك أموال الوقف ، كما بدأت الإدارة بتنفيذ خطة لتنظيم أعمال الوقف تهتم بإصلاح المساجد وترميمها وإعادة بناء بعض ما تهدم منها ، كما وضعت جدولا لرواتب الأئمة والمؤذنين وكانت خطوة في الطريق الصحيح وإيذانا ببداية جديدة في تاريخ إدارة الوقف في الكويت .

وجدير بالذكر أنه في 5/4/1951 م صدر الأمر الأميري السامي بتطبيق أحكام شرعية خاصة بالأوقاف ، حيث عالجت هذه الأحكام شئون الوقف من خلال مواد مستنبطة من مذاهب الأئمة الأربعة مع الإحالة للقواعد الشرعية المقررة في المذهب المالكي في أمور الوقف التي لم يرد بشأنها نص في الأمر الأميري ، وهذا هو التشريع القانوني المعمول به حتى الآن ، لحين صدور القانون الجديد للأوقاف .

المرحلة الرابعة : مرحلة الوزارة ( 1962 – 1990 م ) :


مع إعلان استقلال البلاد وتشكيل أول حكومة في تاريخ الكويت دخلت دائرة الأوقاف مرحلة جديدة من تاريخها ، فتحولت إلى وزارة حكومية ، وأصبحت تعرف باسم وزارة الأوقاف التي أنشئت بتاريخ 17 يناير 1962 م وأضيف إليها ( الشئون الإسلامية ) في 25/10/1965 م ليصبح اسمها وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية والتي تولت عدة مسئوليات من بينها مسئولية الوقف ، وألحقت إدارة الوقف بالوكيل المساعد للشئون الإدارية والمالية لتبقى ضمن الهيكل التنظيمي للوزارة في هذا الموقع حتى يوليو 1982 م حيث تم إنشاء قطاع مستقل للأوقاف في الوزارة برئاسة وكيل وزارة مساعد ، ومما يلاحظ على هذه المرحلة أنها اتسمت بتراجع المشاركة الأهلية في الإشراف على الوقف وشئون إدارته .

المرحلة الخامسة : مرحلة الغزو العراقي الغاشم ( 1990 – 1991 م ) :


في هذه الفترة العصيبة من تاريخ دولة الكويت كان من مظاهر الصمود في وجه العدوان الغاشم أن واصل فريق من العاملين في الوقف أعمالهم خلال فترة الاحتلال بناء على توجيهات من المسئولين بالوزارة والتنسيق معهم ، وقد كان الهدف من ذلك هو حماية وثائق الأوقاف ومستنداتها القديمة من الطمس والضياع ، ذلك لأنها تؤكد وجود الحكومة الشرعية في الكويت منذ القدم وأن الكويت مستقلة في إدارتها ولم تكن تابعة في يوم من الأيام للعراق ، وقد استطاع العاملون في الوقف آنذاك إخراج كافة الوثائق الرسمية الأصلية من مقر الوزارة والاحتفاظ بها في الخارج ، وتجدر الإشارة إلى أن الأمانة العامة للأوقاف تقوم – بالتعاون مع مركز الدراسات الكويتية – بدراسة تحليلية للوثائق الوقفية بهدف إبراز وقائع تاريخ الكويت وإلقاء الضوء عليها .

المرحلة السادسة : مرحلة ما بعد التحرير : ( 1991 – 1993 م ) :


وهي من المراحل المحورية في تاريخ الكويت المعاصر ، ستظل ذات تأثير واضح على مجريات الأمور خلال جيل أو جيلين على أقل تقدير ، حيث برزت فيها روح جديدة لدى كافة فئات أبناء هذا الوطن ، مما انعكس على الإدارة الحكومية التي سيطرت عليها رغبة أكيدة في مواجهة التحديات والمصاعب التي خلفها الغزو العراقي الآثم والاتجاه الجاد إلى النهوض بواقع المجتمع الكويتي وفق رؤية استراتيجية جديدة تعكس إيمانه بربه ودينه ، وثقته في مستقبل واعد لوطنه .

ولقد كان القطاع الوقفي – بفضل من الله وتوفيقه – أحد القطاعات الحكومية التي شهدت نهوضا كبيرا من حيث توضيح الأهداف وتطوير الوسائل ، حيث صدرت بعض القرارات التنظيمية لإعادة تنظيم وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ، والتي من خلالها أصبح القطاع الوقفي يضم قطاعين فرعيين ، اختص أحدهما بإدارة تنمية الموارد الوقفية تحت إشراف مجلس شكل باسم مجلس تنمية الموارد الوقفية ، واختص الآخر بإدارة شئون الأوقاف ، وقد أدى تنظيم جهاز الوقف على الوجه السابق إلى كثير من الإيجابيات لعل أهمها تحقيق قدر من المرونة التي كان العمل يفتقدها مما أدى إلى جذب عناصر فعالة في دفع العمل وتطويره .

وقد اتسمت هذه المرحلة بإعادة ترتيب الوحدات العاملة في القطاع الوقفي ، إضافة إلى إزالة آثار العدوان التي أصابت الكثير من الأوقاف ، خصوصا العقارات التي يملكها الوقف ، كما بدأ الوقف الخيري يوجه جزء من إمكاناته في هذه المرحلة للمساهمة في معالجة بعض المشكلات الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع .

المرحلة السابعة : مرحلة الأمانة العامة للأوقاف ( اعتبارا من 1993 م ) :


لم يكن التطوير والتحسين الذي شهده القطاع الوقفي في السنوات الثلاث التي أعقبت تحرير الكويت بمستوى الطموح المنشود ، لذا كان لابد من حدوث تحول جذري ليكسبه المكانة والمرونة الملائمة لدخول الميدان العملي بكفاءة ومقدرة ، وبذلت محاولات جادة تستهدف أن يسترد الوقف دوره الفاعل في خدمة المجتمع وازدهاره ونهضته وتنظيم المشاركة الشعبية في الإشراف على شئونه .

وأسفرت هذه المحاولات عن إنشاء الأمانة العامة للأوقاف بموجب المرسوم الأميري الصادر في 13 نوفمبر 1993 م ، الذي نص على أن تمارس الأمانة الاختصاصات المقررة لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في مجال الوقف، وبالتالي ولدت الأمانة كجهاز حكومي يتمتع باستقلالية نسبية في اتخاذ القرار وفق لوائح ونظم الإدارة الحكومية الكويتية ليتولى رعاية شئون الأوقاف في الداخل والخارج . وتختص الأمانة العامة للأوقاف بالدعوة للوقف والقيام بكل ما يتعلق بشؤونه بما في ذلك إدارة أمواله واستثمارها وصرف ريعها في حدود شروط الواقف وبما يحقق المقاصد الشرعية للوقف وتنمية المجتمع حضاريا وثقافيا واجتماعيا لتخفيف العبء عن المحتاجين في المجتمع، ولها في ذلك أن تتخذ الآتي :

1.   اتخاذ كل ما من شأنه الحث على الوقف والدعوة له.

2.   إدارة واستثمار أموال الأوقاف الخيرية والذرية.

3.   إقامة المشروعات تحقيقاً لشروط الواقفين ورغباتهم.

4.   التنسيق مع الأجهزة الرسمية والشعبية في إقامة المشروعات التي تحقق شروط الواقفين ومقاصد الوقف وتساهم في تنمية المجتمع.

من هنا بدأت انطلاقة جديدة للقطاع الوقفي في دولة الكويت وبدأت التجربة الوقفية الكويتية تأخذ منحى جديدا لم يسبق له نظير في التاريخ المعاصر على مستوى دولة الكويت ، وفي كثير من البلدان الإسلامية .​


​​​